تاريخ الحداثة

  "عبرت المجتمعات الأوروبية أطوارا متعددة من الحداثة، أوجزها دوميناك بثلاثة أطوار، يبدأ الأول منها من نهاية القرن الثامن عشر وينتهي بنهاية القرن التاسع عشر، ثم يليه الطور الثاني الذي يبدأ من نهاية القرن التاسع عشر إلى النصف الثاني من القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين وبموازاة الثورة الصناعية الثالثة، تنبثق حداثة الثالثة، تنسلخ فيها الحداثة من مضمونها المعروف، ويعود المفكرون إلى مفهومات الحداثة وشعاراتها، فيعلمون على تفكيكها ويحاكون ما تشيء به من تصورات وآراء، ويدعون صراحة إلى التخلي عنها وتحرير الانسان من أنساقها التي أفضت إلى اختلالات وانهيارات متنوعة في الأحكام والقيم".[1] إذن ، قد استبدت بالفكر العربي والاسلام نزعة تسعى للإقلاع من الماضي إلى خارج أوروبا منذ القرن التاسع عشر.ففي القرن التاسع عشر قد اكتشف الناس بالتطور والنمو كثيرا حتى أن يتولد فكرة جديدة سببا عنه. وأسوأ من هذه الفكرة هي الفكرة التي تقلق وتتعلق بالدين.



        يحاول بعض آخر من الباحثين أن يسلخ الحداثة عن أصلها الغربي حين يرى أن الحداثة الغربية هي تطبيق من تطبيقات روح الحداثة التي تعود إلى بطون التاريخ الإنساني فقال طه عبد الرحمن "روح الحداثة ليس من صنع الإنسان الغربي بل هي من صنع المجتمع الإنساني في مختلف أطواره." [2].
        يرى باحثون آخرون أن الحداثة وليدة الغرب ونتاج جهوده وكفاحه" الحداثة كمشروع ثقافي طموح عملت المجتمعات الأوربية في صناعته ليكون وليد هذه المجتمعات.أنه وليدها الشرعي وأنه في الأساس يخاطب الإنسان الأوربي لكونه نبع من نفسيته ونما في بيئته"[3].
        الحقيقة أن هذا الإختلاف في الأصل التاريخي للحداثة، وما هو انتماؤها النوعي إنسانيا، أم عربيا، أم غربيا قد لا يكون اختلافا حقيقيا بمقدار ما هو اختلاف في جانب النظر للصورة، فمن ينظر إلى الحداثة من هذه الناحبة  أنها التجديد، أو الإبداع، وفتح الآفاق نحو التطور فسوف يرى أن الإنسانية منذ تاريخها القديم تسعى بهذا الإتجاه، فكانت هناك حضارات، ومدنيات، ولم يزل الإنسان يواكب في حركة الإبداع والتطور بلا توقف.
        هل يمكن نعتبر القرن التاسع عشر هو مبدأ ظهور الحداثة الفلسفية وتبلورها كما يرى ذلك بعض المفكرين؟ إذن ، في الحقيقة ،أنه من غير الممكن تقديم فترة زمنية باعتبارها مبدأ لتبلور أسس الحداثة الفلسفية وقال طه عبد الرحمن " فهي لم تكن وليدة لحظة معينة، وإنما تعود إلى مراحل تاريخيخية عديدة أسهمت في تشكيلها وبلورتها في شكلها الحالي".[4]
        إذن ، نفهم هنا بأن الحداثة بدأ منذ القرن التاسع عشر من الغرب.ولماذا نقول بأن الغرب يبدأ الحداثة؟لأن الغربيون لهم التيكنولوجيا الذي يساعدهم في انتشار حداثتهم.ولكن الحداثة التي تحمل الغربيون خطير جدا لدى الاسلام. الغربيون يخرجون ويوزعون فكرياتهم لدى المجتمع حسب فكريتاتهم العقلية.وكل الآراء يشغل بعقلهم فقط .وهذا الذي يميز الفلسفي الغربي والفلسفي الإسلامي حينما نحن المسلمون نعتقد بوجود إلهي.
سبب ظهور الحداثة من الغرب: قوة الإعلام والاتصال
        قد دخلت الحداثة إلى العالم العربي والإسلامي بسبب قوة الإعلام والاتصال، فالدول الغربية تتفوق كثيرا في ميدان الإعلام، ومن نافلة القول أن السيطرة الأمريكية على الصناعات العالمية السينيمائية والبرامج التلفزيونية والصور المسجلة تتفوق على هيمنتها على صناعة الطائرات.وهذا ساعدهم على نشر فكرهم وثقافتهم التي غزت العالم، كل هذه الوسائل تركز على الفردية بهدف إلغاء الطبقة والأمة، كما تركز من جهة أخرى على صرف النظر عن رؤية الفوارق بين الأغنياء والفقراء وقبولها كأمر طبيعي، وأخيرا إنهاء وإلغاء الصراع الطبقى وبالتالي القبول والاستسلام وغلق الأبواب أمام التغيير نحو الأفضل.
        إن وسائل الاتصال العالمية هي أحد أهم مظاهر قوة الغرب على الإطلاق، فهي كما قلنا أكثر قوة من طائرات الغرب وصواريخه ودباباته ومدافعه، وهي تستميل العقول والعواطف خاصة لدى الشباب ليتشربوا بالثقافة الغربية وثقافة الجنس والحب والإباحية والعنف بين أفراد المجتمع، ولكن بقدر ما ينجح الغرب هيمنته على وسائل الاتصالات العالمية فإنها بالمقابل تصبح مصدرا لعدوانية الشعوب اللاغربية للغرب.
        الإعلام والاتصال من الآليات التي اتبعها الغرب لنقل حداثته للعالم الإسلامي، والعمل على تدمير وتقوض بنى المجتمع القائم، وعلى ذلك فإن الهدف كل الهدف هو تحويل المجتمع العربي والإسلامي إلى مجتمع مستهلك لسلعهم وبلا تردد ولا تساؤل، إعلام يتحدث فقط عن المستقبل ولا يتحدث عن الحاضر والماضي قط، فهو ليس مهما، لجعل الناس يسيرون بلا هدف ولا يمكنهم التواصل والانتماء إلى وطن أو أسرة، كل فرد يمثل جزيرة منفصلة أو قصة قصيرة، فرد استهلاكي يحدد هدفه كل يوم بيومه وشعاره وقيمه تأتيه من الإعلان والإعلام، وبذلك فإنه بدلا من الإبادة من الخارج والتي اصبحت ملكفة ماديا وبشريا، يكون التفكك رخيصا وسهلا من الداخل وعلى يد أبناء المجتمع نفسه.


[1]  عادل عبد المهدي، اشكالية الإسلام والحداثة ( بيروت – لبنان ، دار الهادي ، الطبعة الأولى 1431ه -2001م)  ص6.
[2]   طه عبد الرحمن ، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية ( المركز الثقافي العربي،  الطبعة الأولى 2006 ) ص 31.
[3]   نفس المرجع 27.
[4]  نفس المرجع 29.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق